ويشن جيش الاحتلال الإسرائيلي موجات عديدة من الغارات العنيفة على طهران وعدد من المدن الإيرانية الأخرى يسقط خلالها الكثير من المدنيين، بزعم أنها تهدف الى تدمير قدرات إيران الصاروخية. ومن الجانب الأمريكي، توعد ترمب إيران بضربها بقوة، معتبراً أن "الموجة الكبيرة" لم تحدث بعدُ وستأتي قريباً، وقال إنه لا يستبعد إرسال قوات إلى إيران!، في تصريحات تبدو انها بعيدة عن الواقع نظرا الى ما تتكبده القوات الأمريكية من خسائر فادحة في حربها على إيران.
بدورها، أفادت تقارير إيرانية بأن الغارات توسعت بشكل لافت لتشمل أهدافاً مدنية في عشرات المدن والبلدات. وأعلن الهلال الأحمر الإيراني بناء على أخر إحصائية (5 مارس) ان عدد الشهداء قد وصل الى 1230 شهيدا على الأقل منذ بداية العدوان، بينهم 168 طالباً ومعلماً خلال استهداف مدرسة ابتدائية للبنات في مدينة ميناب بمحافظة هرمزغان، إضافة الى استشهاد العشرات من المدنيين في صالة ألعاب رياضية في مدينة لامرد، ومستشفى غاندي في طهران وإثر استهداف عدد كبير من البيوت السكنية.
موقف الغرب من العدوان
يُعتبر حلف الناتو من أبرز الجهات التي أبدت دعماً واضحاً للحملة، وإن كان هذا الدعم سياسياً ولوجستياً بشكل أساسي وليس عسكرياً مباشراً. حيث دعا الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الحلفاء الأوروبيين إلى دعم الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب ضد إيران، معتبراً أن التحرك ضد إيران أمر بالغ الأهمية لأمن أوروبا حسب وصفه. وأكد تأييده الكامل للهجمات، مشيراً إلى أن القرار الأمريكي كان "حاسماً للغاية" لمواجهة ما وصفه بـ التهديد الإيراني على المدى الطويل.
فيما تبنّت الدول الأوروبية مواقف حذرة على غير العادة، فبعد أن أبدت بريطانيا استعداداً لدعم الولايات المتحدة، وسمح رئيس الوزراء كير ستارمر للولايات المتحدة باستخدام قواعد بريطانية، تعرضت قاعدة جوية بريطانية في قبرص لهجوم إيراني بطائرة مسيرة. إلا أن الأوروبيين قاموا بتحركات عسكرية بالفعل بعد الهجوم.
فقد أرسلت فرنسا حاملة الطائرات "شارل ديغول" ومجموعتها الضاربة نحو شرق المتوسط، أما اليونان فقد تحركت بشكل سريع لتعزيز دفاعات جزيرة قبرص بعد استهداف القاعدة البريطانية فيها، بنشر بطارية صواريخ "باتريوت" في جزيرة كارباثوس، وإرسال فرقاطات وطائرتين من طراز "إف-16" إلى قبرص.
ألمانيا أكدت أنها لن تشارك في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومع ذلك أبدى المستشار الألماني استعداداً لاتخاذ ما وصفها بـ "خطوات دفاعية متكافئة" لحماية المصالح الأوروبية مثل المشاركة في اعتراض الصواريخ والمسيرات إذا لزم الأمر.

تداعيات العدوان على أوروبا
سارع حلف الناتو على لسان أمينه العام إلى دعم الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب على إيران، نيابةَ عن الدول الأوروبية. إلا أنه أغفل حقيقة أن حرب جديدة في الشرق الأوسط ربما ستؤدي إلى تدفقات لاجئين جديدة، وهو ما سيضر بدول الاتحاد الأوروبي بالدرجة الأولى.
حيث يواجه الأوروبيون تحديات معقدة في ملف الهجرة، تتراوح بين الضغوط السياسية الداخلية والحقوقية. إضافة الى أن كل المؤشرات تُشير الى أن التركيز الآن ينصب على منع الوصول، وتسريع الترحيل، وحماية الحدود الخارجية، وليس على تهيئة البنية التحتية للاجئين الموجودين أساساً في دول القارة.
وبينما انخفض عدد طلبات اللجوء مؤخراً، مع تشديد الإجراءات الأوروبية، فإن التهديد الحقيقي يكمن في احتمال حدوث موجة نزوح جماعي جديدة من دول المنطقة وربما من بعض المناطق الإيرانية، نحو أوروبا، وذلك في حال توسّعت الحرب وأصبحت حربا إقليمية كبيرة، وهو ما يشكل خطراً وجودياً على القارة. وأن خطر الهجرة هو ما لم ينتبه له روته أو أحد من القادة الأوروبيين عندما اتخذوا مواقفهم المؤيدة أو المتذبذبة حيال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وبنظر الخبير والمحلل الإستراتيجي الدكتور مالك فرغلي فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحليفه الأمريكي ترامب قد أوقعوا الأوروبيين في فخ خطير في مسألة الحرب على إيران. حيث أنه وبتحقيق الحلم الإسرائيلي بالقضاء على النظام السياسي في إيران الذي يؤرقه صباح مساء، تُفتح أبواب الجحيم على أوروبا.
ويبدو أن الدول الأوروبية التي لم تنخرط أو حتى لم تُبدي مواقف داعمة بشكل كبير قد تنبهت لهذا الفخ. وبأن ترامب يهدف الى إضعاف أوروبا باللاجئين، وأيضا تجفيف مصادرهم من الطاقة التي كانت تصل اليهم عبر مضيق هرمز والذي تتحكم به إيران، لإبقائهم في ظل الهيمنة الأمريكية.
ويضيف فرغلي أن "حروب وأزمات الشرق الأوسط جميعها خلال العقود الماضية أدت الى موجات نزوح كبيرة الى أوروبا، وجميعها كانت بسبب إسرائيل وأمريكا اللتان تزعمان نشر الديمقراطية في بلدان كالعراق وليبيا وسوريا. واليوم جاء الدور على إيران، والذي ربما سيؤدي الى موجة نزوح بشري من بعض المناطق في هذا البلد (بالرغم من أنه لم تحصل أي حالة نزوح حتى الآن)، الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 90 مليون نسمة".
كما يُشير الى أن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) كانت قد حذرت في تقرير لها من أن أي زعزعة للاستقرار في إيران ستؤدي إلى "حركات نزوح للاجئين ذات حجم غير مسبوق". حيث يُشير تقرير الوكالة إلى أن نزوح 10% فقط من سكان إيران سينافس أكبر تدفقات اللاجئين في العقود الأخيرة.
وفي المحصلة، إن إسرائيل وأمريكا وجهان لعملة واحدة، وتحركاتهما في العالم تزعزع الإستقرار وتخلق المشاكل للحلفاء والأعداء على حد سواء.
/انتهى/